الشيخ محمد علي طه الدرة
248
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 117 ] لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 117 ) الشرح : لَقَدْ تابَ : لقد تجاوز وعفا وصفح . النَّبِيِّ : انظر الآية رقم [ 73 ] ، وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ : انظر الآية رقم [ 100 ] ، الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ : المراد بها وقت غزوة تبوك ، حيث كانوا في عسرة وضيق ، حتى كان العشرة من الرجال يتعاقبون ظهر البعير الواحد ، وكان الرجلان يقتسمان تمرة واحدة ، واشتد بهم العطش في سفرهم حتى شربوا ما في فرث الحيوانات من الماء ، مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ : ويقرأ : ( من بعد ما كادت تزيغ قلوب فريق منهم ) ، واختلف في معنى ( تزيغ ) ، فقيل : تتلف بالجهد ، والمشقة والشدة ، وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : أي : تميل عن الحق في الممانعة والنصرة ، وقيل : من بعد ما هم فريق منهم بالتخلف والعصيان ، ثم لحقوا به : وقيل : همّوا بالقفول ، فتاب اللّه عليهم ، وأمرهم به ، وثبتهم على الحق والإيمان . انتهى . قرطبي بتصرف . وانظر ما ذكرته بشأن غزوة تبوك في الآية رقم [ 39 ] ففيه الكفاية . ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ : تكرير للتأكيد ، وتنبيه على أنه تاب عليهم من أجل ما كابدوا من العسرة . رَؤُفٌ أي : بالعباد ؛ حيث فتح لهم باب التوبة . والاعتذار ، وكلفهم بالعبادات والجهاد ، فعرضهم لثواب الغزاة والشهداء ، هذا ؛ والرأفة أشد الرحمة ، و رَؤُفٌ صيغة مبالغة ، فاللّه أرأف بعباده من الوالدة بولدها ، ومن رأفته : أنه جعل النعيم الدائم جزاء على العمل القليل المتقطع ، ومن رأفته أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها ، ومن رأفته أشياء كثيرة يعسر حصرها وعدها . وهي معلومة عند ذوي الألباب ، رَحِيمٌ : صيغة مبالغة من الرحمة . تنبيه : لقد اختلف في هذه التوبة التي تابها اللّه على النبي والمهاجرين والأنصار على أقوال كثيرة ، أعتمد منها ما قاله ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : أنها كانت على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأجل إذنه للمنافقين في القعود عن الجهاد ، ودليله الآية رقم [ 43 ] . تنبيه ، ، وفائدة : « كاد » و « يكاد » : فعل يدل على مقاربة وقوع الفعل بعدها ، ولذا لم تدخل عليه « أن » ؛ لأنه يخلص الفعل للاستقبال ، وإذا دخل عليها حرف النفي ؛ دل على أن الفعل بعدها وقع ، كما في الآية رقم [ 71 ] من سورة ( البقرة ) ، وإذا لم يدخل عليها حرف نفي لم يكن الفعل بعدها واقعا ، ولكنه قارب الوقوع ، والفعل منهما واوي العين ، فيكاد وزنه : يكود ك « يعلم » ، نقلت فتحة الواو إلى الساكن قبلها ؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة ، ثم قال : تحركت الواو بحسب الأصل ، وانفتح ما قبلها الأن ، فقبلت ألفا ، فصار : « يكاد » ، بوزن يخاف ، وكاد أصله كود بكسر الواو كخوف ، ومصدره الكود كالخوف ، وهذا في « كاد » الناقصة ، وأما « كاد »